أولا: في مسألة معضلة التنافسية

      خلال هذه السنوات الأخيرة أصبح مصطلح التنافسية أكثر تداولا في خطابات الجامعيين والسياسيين وأرباب المقاولات والإعلاميين. إن الكل يدرك أن التنافسية أصبحت اليوم شرطا أساسيا للتأقلم مع إكراهات المنافسة الدولية. ولكن رغم الاستعمالات المتكررة ورغم الجهود المبذولة للإلمام بهذا المصطلح، فإن التنافسية تبقى مفهوما يلفه كثير من الغموض. وبالرغم من هذا الغموض الذي التصق به يبقى مرتبطا ارتباطا وثيقا بالمستويات المختلفة والمفضلة من أجل رسم حدود هذا المصطلح. فهناك من يفضل مستوى المقاولة، كما أن هناك من يركز على القطاعات الإنتاجية، وهناك من يحبذ الماكرو اقتصادي. إن حزب العهد يرى أن تفضيل أي مستوى على الآخر سيفقد التنافسية طبيعتها المتعددة الأبعاد، وسيؤدي لا محالة إلى مخاطر ومنزلقات على المستوى الاقتصادي و الاجتماعي.

      يعتبر الحزب بأنه قبل التفكير في أي حل ناجع لمشاكلنا الاقتصادية، يجب أن نأخذ بعين الاعتبار الأبعاد المختلفة لمفهوم التنافسية، لأن طبيعة قراراتنا وفعاليتها رهين بالفكرة التي نكونها عن هذا المصطلح.

      إننا نؤكد على أن عوامل التنافسية لا يمكن أن نعتبرها خارجة عن إرادتنا لكنها نتيجة مجهودات الفاعلين الاقتصاديين والمدعومين بإجراءات ملائمة تتبناها الدولة. في هذا الصدد سيكون حرصنا اكبر على إرساء سياسة حكومية تتدخل في الحياة الاقتصادية دون أن تؤثر بشكل كبير في فعالية السوق. إن قناعتنا المتجدرة بربط التنافسية بإجراءات محدودة سيؤدي لا محالة إلى نتائج سلبية.

ثانيا: في مسألة دور الدولة

      إن الدولة بإمكانها أن تخلق ظروفا ملائمة ومنسجمة للاستثمار قصد تنويعه، مع الحرص على تقوية العلاقات بين مختلف مستويات النسيج الاقتصادي الوطني حتى يكون اكثر تماسكا.

      على الدولة أن تضع من بين أولوياتها تنمية وتطوير عناصر الإنتاج كما وكيفا، مع التأكيد على دور التكوين واعتباره لبنة أساسية لتثمين الثروة الوطنية وعنصرا مهما لجلب الاستثمارات الأجنبية المباشرة وكشرط أساسي لتسيير عقلاني للمقاولات، مع الحرص على إعطاء تسهيلات هائلة لتدريب وتجديد الكفاءات.

      يجب على الدولة أن ترفع من المستوى المعيشي للمواطنين حتى يكون دعامة للصناعات المحلية. في هذا الإطار فإن مجال الدولة أوسع، ويتجلى من خلال التشريعات، والحث على احترام ضوابط الجودة. كما يتجلى كذلك من خلال الرفع من الإنتاجية. لكن هذا الأخير لا يمكن أن يزيد بصفة مستمرة إلا إذا رفعنا من الإنتاجية.

       وإننا في حزب العهد نرى أن الدولة ملزمة بالتدخل لتعديل آليات السوق من أجل تحقيق العدالة الاجتماعية التي لا تتعارض مع السوق ولا مع التنافسية، علما أن كل إبداع في هذا المجال يستوجب البحث عن التوازن بين العدالة والفعالية وذلك انطلاقا من تذويب الفوارق الغير العادلة المرتبطة ب:

  • المضاربات بكل أنواعها
  • الريع الناتج عن النفوذ Rentes de situations
  • عدم تعميم التعليم

      من هذا المنظور يرى حزب العهد أن العدالة الاجتماعية تتحقق من خلال محاربة كل الامتيازات التي لا علاقة لها بالكفاءات والاستحقاقات الشخصية. وأما الأدوات التي تمكننا من تحقيق ذلك فنخلصها في تعديل النظام الجبائي ووضع البنيات التعليمية الكفيلة بتمكين كل شخص من التعلم، مع التركيز على المساعدات المباشرة بشرط أن تكون محدودة حتى لا تحث على الكسل.

      إن تحديد دور الدولة في حياتنا الاقتصادية في غاية الأهمية لكن ما هو أهم هو أننا لا نتصور في المدى القريب تخلي كامل للدولة عن مجالات تدخلها ولنا أسبابنا في ذلك. ولكن في المستقبل لا نرى مانعا من توسيع هامش السوق إذا ما اتضح أن بنيات المنافسة أصبحت في متناول قطاعات أوسع من المجتمع. وفي انتظار ذلك نرى من الضروري تحديد نسبة وشكل المنافسة الفعالة. هذا التركيز على دور الدولة لا يعني إنكارا أو تنقيصا لدور المقاولة بل على العكس من ذلك فإننا نعتبرها الأداة المركزية في كل عملية تنموية.

ثالثا: في مسألة دور المقاولة

      إن تحسين تنافسية المقاولة المغربية، يبدأ من خلال تعبئة الادخار حتى نرفع من وتيرة الاستثمار وحل معضلة البطالة. ولكن لا يكفي أن نستثمر، بل يجب أن نوجه هذا الاستثمار إلى القطاعات المنتجة والتي تعرف منتجاتها طلبا متزايدا في الأسواق الخارجية.

      إن المقاولة المغربية لا يمكن أن تجد لها موقعا في الأسواق الخارجية أو تحصن نفسها في السوق الداخلي دون توفرها على المعلومات الضرورية المتعلقة بتطور وتنوع الطلب بأقل تكلفة وفي الوقت المناسب، وأن ربح رهان التنافسية كفيل بالقيام بالمجهودات الضرورية في ميدان العلم والتكنولوجيا، حتى تستفيد بلادنا من ظاهرة العولمة.

      إن المقاولة هي المحرك الأساسي للاقتصاد، ونحن بدورنا نحيي روح المبادرة وروح المقاولة وكذلك كل الإجراءات التي يمكن أن ترفع من مردودية هذه المؤسسة، ولكن هذا الحرص لا يوازيه إلا حرصنا على مقاولة خاصة، مسؤولة، تقدر مسؤوليتها اتجاه هذا المجتمع، ويمكنها أن تحظى في المجال الضريبي مقابل توفيرها لموارد مرتبطة بشؤون البيئة والعمال. إن منظورنا للمقاولة المسؤولة نعبر عنها من خلال المحاور التالية:

علاقات العمل داخل المقاولة:

      إن العولمة تدفع بالديموقراطية داخل المقاولة مادام مصير أرباب العمل والعمال مشتركا. فالمقاول يواجه نتيجة المنافسة الشرسة خطر ضياع استثماره إذا ما أفلست مؤسسته أما العامل فهو مهدد بالعطالة إذا ما انخفض نشاط الشركة أو إفلاسها. إن هذه الحقيقة تدفعنا إلى المناداة بإصلاح في اتجاهين:


    ـ الاتجاه الأول: مساهمة العمال في التسيير الذي يأخذ شكل الحق في الإخبار وإبداء الرأي والمساهمة في بلورة بعض القرارات.
    ـ الاتجاه الثاني: هو المساهمة في رفع الإنتاجية وكذلك الاستفادة من الزيادة في الأرباح.

المقاولة والمجال البيئي:

      إننا داخل حزب العهد لسنا في حاجة للتذكير بكل المشاكل المرتبطة بالبيئة وكلفتها الاقتصادية وكذلك بحرصنا على المساهمة في البحث عن كل الوسائل الكفيلة بالحد من تدهور مجالنا البيئي ونضمن بذلك للأجيال القادمة العيش في ظروف إنسانية مقبولة.

      إننا نعتبر أن المشكل ليس في النمو بل في طبيعته ومحتواه، كما إننا نرى أن المقاولة ليس لها الحق في استغلال مجالنا البيئي بكل حرية. إننا جد مقتنعين بأن أي محاولة لاستبدال التقنيات الملوثة بتقنيات أكثر احتراما للبيئة، سيتطلب استثمارات كبيرة هائلة لكن هذه الأخيرة قد تحمل معها إمكانيات مهمة للنمو ما دامت هذه التقنيات ستوفر علينا الكثير من الطاقة والمواد الأولية ونفقات الدولة المرتبطة بالمشاكل الصحية.

      إننا نرى أن الوسائل المرتبطة بالرسوم الجبائية ستلعب دورا أساسيا في الحد من تدهور البيئة. لكن اتضح في كثير من الدول المتقدمة محدودية هذه الوسائل في تحقيق بعض الأهداف الجماعية، لذلك نرى من الضروري إيجاد تشريعات جديدة وخلق مؤسسات على جميع المستويات سواء على المستوى المحلي، الجهوي، الوطني، أو على المستوى الدولي من أجل الحث على احترام البيئة.

عملية الخوصصة:

      يعتبر حزب العهد أن الخوصصة فرصة لدعم الديموقراطية الاقتصادية والسياسية كما يعتبرها ضرورية للمساهمة في الاستقرار الاجتماعي والسياسي. وبروز نخبة جديدة قادرة على المساهمة في تنمية هذا البلد. فبإمكان الخوصصة أن تساهم في تحديث الاقتصاد وإشاعة روح المسؤولية داخل المؤسسات المخوصصة مما سينتج عنه رغبة في تقليص الكلفة وتحسين المردودية ودعم تنافسية الاقتصاد المغربي لكن هذه العملية قد تكون نتائجها عكس ما نتوخاه، فالمخاطر التي تحوم حول هذه العملية قد تكون عواقبها جد وخيمة والتي نحصرها فيما يلي:


    ـ إمكانية تقليص هامش المنافسة
    ـ إمكانية تكديس الثروة في يد فئة قليلة
    ـ إمكانية تعميق الفوارق الاجتماعية
    ـ إمكانية ظهور طبقة قوية قد تعيق رغبة الدولة في تحقيق بعض الأهداف التنموية.

      إن طموحنا لإنجاح عملية الخوصصة من اجل تحديث الاقتصاد وإشاعة الشفافية في العلاقات الاقتصادية يقتضي منا بعض الإيضاحات والتصويبات.

      إننا داخل حزب العهد نؤكد رفضنا القاطع لكل غموض يحوم حول هذه العملية والذي لا يساهم بأي حال من الأحوال في إشاعة جو من الثقة الضروري لإنجاح هذه العملية. من أجل هذا نرى من الضروري قبل الإقدام على أية عملية للخوصصة تنظيم:


    1 ـ عملية إخبار واسعة
    2 ـ مناظرات عبر وسائل الإعلام
    3 ـ فتح المجال أمام العمال للمساهمة في رأسمال المؤسسات المخوصصة.

      كما أننا حريصين كل الحرص على أن تستعمل مداخيل الخوصصة في دعم البنيات التحتية من طرق سيارة، ووسائل الاتصال وكل ما من شأنه أن يساهم في خفض تكلفة المقاولة المغربية ويحسن من إنتاجيتها كما وكيفا. والواقع أننا لا يمكن أن ننجح عملية الخوصصة والموجهة بالخصوص إلى الشركاء الأجانب ونستوعب ما يجري على نحو أمثل دون أن نقف على دور الاستثمارات الأجنبية وخاصة المباشرة منها وكذا على الميكانيزمات التي تحركها.

      إن الاستثمارات الأجنبية المباشرة بإمكانها أن تساهم في حل بعض المشاكل (التشغيل...) ونحن بدورنا لا نشك في ذلك ولكن لنا بعض الملاحظات فيما يتعلق بالحوافز المستعملة من أجل جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة. يرى حزب العهد أن أنجع وسيلة لجلب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، تظل رهينة السياسات الاقتصادية الجيدة والرامية إلى وضع نظام فعال من أجل خلق المقاولات المحلية، وبهذه الطريقة يمكن للبلد المستقبل أن يجلب نفس حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة بكلفة أقل. زيادة على هذا، فقد لوحظ أن الاستثمارات الأجنبية المباشرة لا تساهم في عملية التنمية بقدر ما تستفيد منها. وهذا ما يوضحه ارتفاع حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة في البلدان المتقدمة.

      أما بالنسبة للمناطق الحرة، فلا يمكن أن نعتبرها فعالة إلا إذا كانت المداخيل المباشرة والغير المباشرة قادرة على تغطية نفقات الاستغلال الجارية وكذلك الخاصة بالبنيات التحتية. فموقعها هذا لا يعني أننا ننكر على الاستثمارات الأجنبية المباشرة بعض الإنجازات الكبيرة التي تحققت في بعض الدول كما أننا لا ندعو إلى خلق قطيعة مع الاستثمارات الأجنبية المباشرة والعيش بمعزل عن العولمة، ومحركها الأساسي. ونعني بذلك الشركات المتعددة الجنسيات، ولكن من أجل الاستفادة من ذلك وتفاديا لكل ارتجالية وفوضى نؤكد على أمرين أساسيين:

  • الأول أنه من المفيد وضع استراتيجية واضحة المعالم في تعاملنا مع الاستثمارات الأجنبية المباشرة.
  • الثاني أنه من المرغوب فيه خلق جهاز قادر على رصد ظاهرة الاستثمارات الأجنبية المباشرة من أجل البحث في المنطق والميكانيزمات التي تحرك هذه الأخيرة حتى يكون تعاملنا معها تعاملا علميا وفي إطار رؤية دفاعية عن مصالح وطننا.

      إن الاستثمارات الأجنبية المباشرة لا يمكن أن يتصورها حزب العهد إلا وهي منسجمة ومندمجة مع مخططاتنا التنموية.

      إننا داخل حزب العهد، ندرك أن عصرنا هذا هو عصر التحولات الكبرى، عصر العولمة ومستقبل هذا البلد سيظل مرهونا بقدرتنا على فهم هذه التحولات وقدرتنا على الاستفادة منها. إن العولمة تعتبر فرصة تاريخية لتسريع الوعي عند شرائح المجتمع المغربي بضرورة التوحد والانضباط في نواح كثيرة من حياتنا الاقتصادية حتى نكون أكثر تنافسية.

      إن العولمة تعتبر كذلك حافزا لتعميق الوعي لدا أصحاب القرار بضرورة دعم الاتجاه الوحدوي لدول المغرب العربي، فالتنمية في المنطقة لا يمكن أن تتأتى إلا من خلال التكامل الاقتصادي بين دول المغرب العربي. كما أنه ومن أجل رفع التحديات المرتبطة بالعولمة فنحن لا نرى بديلا عن تقوية التعاون بين بلدان الجنوب كسبيل أنجع لمواجهة هذه الظاهرة المتعددة الأبعاد. كما يرى حزب العهد أن العولمة لن تكون إيجابية إلا إذا كانت مصحوبة بعملية مراقبة القواعد الأساسية للسيادة الوطنية والتعدد الثقافي.